الرئيسية / غير مصنف / ورقة الإمام الصادق المهدي في ندوة منتدى الوسطية بعنوان: خطر الإرهاب على الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي

ورقة الإمام الصادق المهدي في ندوة منتدى الوسطية بعنوان: خطر الإرهاب على الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي

بسم الله الرحمن الرحيم
منتدى الوسطية العالمي بالتعاون مع جامعة البلقاء
ندوة خطر الإرهاب على الأمن الاجتماعي والسلم الأهلي
مخاطبة حول:
الوعي الوطني وحواضن التطرف

الإمام الصادق المهدي
عمان، الأردن في 18 سبتمبر 2018م

أخي الرئيس
أخواني وأخواتي وأبنائي وبناتي،
مع حفظ الألقاب لكم جميعاً، وتقدير المقامات، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وبعد-
أحيي جامعة البلقاء على مشاركة منتدى الوسطية العالمي في تنظيم هذه الندوة التي أخاطبها في موضوع الوعي الوطني وحواضن التطرف.
وأبدأ حديثي بالإشادة بحيوية المجتمع المدني في الأردن، وهامش الحرية المتاح لأمثالي الذين يضيق بحرية تعبيرهم كثيرون في عالمنا الحبيس.
أبدأ حديثي الذي يتسلسل عبر نقاط محددة، أرجو أن تكون مما قل ودل:
من أهم حواضن التطرف تقديس الوافد من الماضي، تقديس له دعاته بفهم يعتقد أن نظم الماضي، كالخلافة كنظام للحكم، وإحياءها واجبٌ دينيٌ، ما يوجب وعياً دينياً يميز الثوابت من المتحركات. الدولة الوطنية من الوافد من العصر الحديث، والتحديث مرتبط بالاحتلال الأجنبي، ما أدى إلى تدنيس العوامل الوافدة، وبما أن الحضارة الغربية متسمة بالاستعلاء ومحاولة هندسة الآخرين على شاكلتها، فقد اعتبرت الدولة الوطنية والنظام الدولي المعاصر استسلاماً للغزو الثقافي الوافد. تقديس نظام الخلافة الوافد من الماضي، وتدنيس نظام الدولة الوطنية الوافد من العصر يتطلب في نظر بعض الدعاة جهاداً لإقامة نظام الخلافة على أنقاض نظام الدولة الوطنية.واجبية إحياء نظام الخلافة، وواجبية إسقاط نظام الدولة الوطنية يفتحان بابين واسعين للتطرف.
قبل فترة الاحتلال الإمبريالي لأوطاننا كانت الهوية الواحدة السائدة هي الانتماء للإسلام. بل حتى إخوتنا المسيحيين لون مواقفهم هذا الانتماء. قال قسطنطين زريق: الإسلام دين العرب القومي. وقال مكرم عبيد: أنا مسلم وطناً وقبطي ديناً. وقال فارس الخوري: أنا مسلم حضارة ومسيحي ديناً.
التعصب الطوراني الذي نشأ في ظل السلطان العثماني، والتحالفات الدولية في الطريق للحرب الأطلسية الأولى (1914-1918م) غذت المشاعر القومية العربية فكانت الثورة العربية التي قادها الشريف حسين رحمه الله كانت تعبيراً عن ذلك. ولكن الحلفاء خانوا الثورة العربية ورتبوا مستقبل المنطقة وفق مصالحهم الإمبريالية.
بعد هزيمة تركيا العثمانية في الحرب الأطلسية الأولى خطط الحلفاء لإقامة دول كما خطط لذلك اتفاق سايكس بيكو ممثلين لبريطانيا وفرنسا. الدول الوطنية التي نشأت في منطقة الشام الكبرى كانت نتيجة لهذا المخطط. وكانت دولتا وادي النيل تحت الاحتلال البريطاني ودول المغرب العربي تحت الاحتلال الفرنسي.
عندما تخلى الإمبرياليون عن الحكم المباشر تراجعاً أمام الحركات الوطنية، ونتيجة لعوامل ضعف ذاتية ألمت بهم، فإنهم سلموا السلطة للقيادات الوطنية عبر مؤسسات حكم لبرالية. نظام الحكم اللبرالي يتطلب مقومات لم تتوافر ما أدى في كثير من الحالات لانقلابات عسكرية.
الانقلابات العسكرية التي أحدثت تغييراً نوعياً في المنطقة هي التي عبرت عن فكر قومي عربي وأيديولوجية اشتراكية. نهج جسده حزب البعث العربي الاشتراكي والنهج الناصري. لم يكن للفكر العربي الاشتراكي هذا تصور لنظام الحكم ولا حتى للنظام الاشتراكي المنشود. وصار هم هؤلاء الحكام المحافظة على السلطة. أكفأ نظم الحكم الحديث قدرة على السيطرة هي النظم الستالينية والفاشستية فاقتبسوا منها. وفي مناخ الحرب الباردة أعلنوا رسمياً الحياد ولكن عملياً الميل نحو المعسكر الشرقي. ومع الزمن تآكلت الصفات الأيديولوجية وتمكنت البيروقراطية الأمنية من المحافظة على نظام الحكم. في ظل هذا الكبت تعطل التطور السياسي وتحلق المواطنون حول الولاءات الوراثية الطائفية والعشائرية، لذلك عندما أطيح بهؤلاء الحكام نتيجة غزو أجنبي كما كان في العراق، أو نتيجة ربيع عربي كما كان في غيرها، فإن القوى السياسية التي برزت هي القوى الإسلامية التي تخندقت في نشاط عبادي أو اجتماعي أو حركات الولاء الموروث طائفياً أو عشائرياً.
تاريخ المسلمين في الهند مورست أثناءه في فترات مظالم أصابت الأغلبية الهندوسية. بعد الاحتلال البريطاني للهند وفي المناخ السياسي الجديد تمدد النفوذ الهندوسي، وهي ديانة متعصبة، فصار كثير من المسلمين يشعرون بحصار ديني. هذا التأزم فرخ نهجاً إسلامياً يعلي من شأن الولاية السياسية عبر عنه مؤسس الجماعة الإسلامية الشيخ أبو الأعلى المودودي بمبدأ الحاكمية لله. مبدأ ولاية ثيوقراطية. في مصر تمدد النفوذ الغربي فكرياً وثقافياً وبصورة بهرت العرش المصري، فصار إسماعيل باشا يقول مصر جزء من أوربا لا من أفريقيا. وانبهر مثقفون كما قال عميد الأدب العربي طه حسين علينا أن نقبل الحضارة الغربية بخيرها وشرها لأنها تعبر عن مستقبل الإنسانية. هذه الرؤى كان لها دور مهم في انطلاق حركات دفاع عن الهوية الإسلامية لا سيما بعد أن أدى تيار التحديث الكمالي في تركيا إلى إلغاء نظام الخلافة في 1923م. أهم حركات الدفاع عن الهوية الإسلامية هذه حركة الأخوان المسلمين التي تأسست عام 1928م.
هذه الحركة دخلت في مساجلات مع القوى السياسية الأخرى في مصر لا سيما حركة الضباط الأحرار في 1952م. وما بين التحالف والتنافس بطشت السلطة الحاكمة بالحركة في عام 1954م، ثم في عام 1967م نتيجة اتهامات تعرضت حركة الأخوان المسلمين بسببها لمعاملات قاسية.
سيد قطب رحمه الله الذي كتب بيان الحركة إدانة للاتفاق المصري البريطاني، مخوناً الرئيس جمال عبد الناصر رحمه الله، تعرض للسجن، وبعد خروجه ونتيجة لقيادته لفئة أخوانية ثورية حوكم بالإعدام وأعدم في 1966م. ونتيجة لمناخ البطش ألف كتاب “معالم في الطريق” الذي يصنف المجتمع المعاصر جاهلية أخرى، ويرسم معالم الطريق لنظام الحاكمية الإلهية تجاوبا مع فكر المودودي. فكرة الحاكمية لله وما لحق بها من الواجب الجهادي غذت فكراً إسلامياً متطرفاً ينادي بالإطاحة بالنظم الوطنية القائمة لإقامة الخلافة الإسلامية.
وفي إيران صار نظام الشاه يمارس السلطة كشرطي للمصالح الغربية خاصة بعد الإطاحة برئاسة محمد مصدق الوطنية. مارس الشاه حكماً قمعياً لمعارضيه بالحبس والتعذيب والاغتيالات، كما صارت المعارضة لنظامه تتهمه بالتبعية للغرب وبتغريب الثروة الوطنية. اتسعت المعارضة لنظام الشاه. معارضة قادها مثقفون ومفكرون وحركيون يساريون ووطنيون، ولكن كانت قيادة رجال الدين هي الأقوى بقيادة آية الله الخميني رحمه الله. نظرة الخميني للحكم تتجاوز الأنماط المعاصرة والقطرية بالدعوة لولاية الفقيه التي هي صورة شيعية لفكرة الحاكمية لله.
هكذا صارت دعوة الحاكمية لله دعوة تتجاوز النظم الوطنية والحدود القطرية لخلافة إسلامية جامعة. ودعوة ولاية الفقيه دعوة لولاية إلهية تتجاوز النظم الوطنية لإمامة جامعة.
في نجد في الجزيرة العربية نشأ تحالف بين مؤسس المملكة العربية السعودية ومؤسس المذهب السلفي. هذا التحالف أسس المملكة العربية السعودية بعد توحيد أقسام الجزيرة العربية الأربعة: الحجاز، ونجد، وتهامة، وعسير. تأسست المملكة نتيجة حركة جهادية كان الأخوان يريدون مدها للأقطار الإسلامية الأخرى ولكن الملك عبد العزيز حصرها في حدود الجزيرة العربية.
العقيدة السلفية كما عبر عنها الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي المذهب الديني للمملكة العربية السعودية، وعن طريق هيئات دعوية صارت منتشرة في كل أنحاء العالم الإسلامي، وهي بنصوصها الواضحة تتخذ موقفاً متجاوزاً للحدود القطرية وقائلاً بعدم صحة المذاهب الأخرى.
في عام 1980م غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان، فانطلقت في أفغانستان حركة مقاومة لهذا الاحتلال، وانطلقت حركة جهادية واسعة تدعم الجهاد الأفغاني. هذه الحركة الجهادية حظيت بدعم عربي وغربي كبير لم تشهد مثله أية حركة أهلية، وتكونت في إطار هذا الجهاد القاعدة. فكر القاعدة سلفي جهادي متجاوز للحدود القطرية. عقيدة القاعدة القتالية جعلتها باجتهاد عبد الله عزام رحمه الله تتبنى مبدأ الحاكمية لله القطبي، وبعد جلاء القوات السوفيتية تنادى بإجلاء كافة القوى الأجنبية من أرض الإٍسلام. صار موقف القاعدة أن الوجود الأجنبي في ديار المسلمين باطل، وأن الدول التي تمكنه من الوجود في ديارها متواطئة معه. صار موقف القاعدة هو إجلاء بلاد المسلمين من الأجانب، وإسقاط النظم القطرية المتحالفة معهم. هذا الموقف غذى تطرفاً واسعاً وجد تجاوباً كبيراً لا سيما في أوساط الشباب.
في الحادي عشر من سبتمبر 2001م قامت القاعدة بغزوة لنيويورك وواشنطن في أمريكا. الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش اعتبر هذا الحدث مبرراً لغزو أفغانستان لأن حكومة طالبان فيها آوت القاعدة لا سيما رئيسها الشيخ أسامة بن لادن رحمه الله. كون بوش تحالفاً واسعاً لشن حرب تستهدف القاعدة وتستهدف طالبان. هذه الحرب نجحت في احتلال أفغانستان، فتراجعت حركة طالبان من العواصم، وصارت تحاصرها من الأطراف حصاراً دام 17 عاماً، صمدت أثناءه حركة طالبان بل تمددت.
أما القاعدة التي كانت محصورة في أفغانستان وجزء من باكستان فقد انتشرت وصارت لها عشرات الفروع في أنحاء العالم الإٍسلامي. حوربت القاعدة أمنياً دون التصدي لأسباب نشوئها. هذا مع قيادة قوى غربية للحرب ضدها أكسبها حجة قوية لتجنيد الشباب. القاعدة تعبر عن فكر متطرف وأسلوب التصدي لها غذى مزيداً من التطرف. كانت طالبان وجهاً من وجوه التطرف له أسبابه. والقاعدة هي كذلك وجه آخر من وجوه التطرف. وطريقة التصدي لهما كانت سبباً في مزيد من التطرف.
التدخل الأجنبي الظالم من أهم أسباب التطرف، وموالاة النظم الوطنية التي تحالفت معه من أهم أسباب نزع الشرعية عنها، وبالتالي دعم التطرف.
وفي عام 2003م غزا تحالف دولي العراق بدعم من بعض الدول العربية. أسباب احتلال العراق باطلة وملفقة، وإدارة قوى الاحتلال للعراق كانت فاشلة، والنتيجة اختلال التوازن الطائفي في العراق بصورة أثارت حفيظة قبائل وجماعات من أهل السنة في العراق.
قبل غزو العراق كان الرئيس صدام حسين رحمه الله يحكم العراق بيد من حديد ساخن، قهر المكون الشيعي وهم أغلبية السكان، واغتال زعماءهم كالسيد محمد باقر الصدر، والسيد مهدي الحكيم. وقهر المكون الكردي من السكان ما أدى لتراكم مظالم للشيعة والأكراد برز التعبير عنها في ظل حكومة الاحتلال وما تلاها.
الحكم الدكتاتوري مهما كان شكله مدنياً أو عسكرياً هو شكل من أشكال التطرف لأنه يخضع المجتمع لإرادة أحادية قاهرة صورها الشاعر العراقي أحمد مطر:
الكابوس أمامي قائمْ
قمْ من نومكَ
لست بنائمْ
ليس، إذن، كابوساً هذا
بل أنتَ ترى وَجْهَ الحاكِم !
هذا التطرف السلطوي يفرخ تطرفاً مضاداً في الكيانات الخاضعة للقمع تظهر بشدة عندما يطاح بالحكام المستبدين.
في ظل احتلال العراق وما تلاه من حكومات شعرت أحزاب وقبائل أهل السنة في العراق بسيطرة شيعية على الحكم، وكانت حركات كثيرة قد تصدت لمقاومة الاحتلال الأمريكي من بينها فرع القاعدة في أرض الرافدين، هذا الفرع قرر باسم أهل السنة في العراق تكوين داعش، دولة عراقية سورية سنية.
وفي مرحلة لاحقة بعد انضمام آخرين لها أعلنوا إقامة خلافة إسلامية سنية. بويع أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين جميعاً في عام 2014م.
الحلفاء في الحرب الأطلسية الأولى (1914 ـ 1918م) أخلفوا الوعود التي أعطوها للعرب قبل الحرب، ونتيجة لذلك خططوا لتقسيم المنطقة العربية بين بريطانيا وفرنسا – اتفاق سايكس بيكو. الاتفاق الذي كشف عنه البوشفيك بعد ثورتهم الناجحة في روسيا، وفي ثنايا هذا الاتفاق نواة لتنفيذ وعد بلفور للحركة الصهيونية.
قال مايكل أورن Michael B. Oren في كتابه عن “السياسة الأمريكية نحو الشرق الأوسط منذ 1776م حتى الآن”: لا يوجد في مجال الهندسة الاجتماعية الأممية عمل أوقح من تأييد أمريكا لقيام دولة يهودية وسط عالم عربي شديد العداء لذلك.
وقال إن النقاد منذ الحرب العالمية قالوا إن هذا الإجراء سوف يؤدي لحروب لا تنتهي.
صحيح أن للصهيونية أهدافها الدينية والقومية، ولكن في إقامة إسرائيل مصلحة أجنبية للفصل ما بين عرب آسيا وعرب شمال أفريقيا.
كان لهذا الإجراء أثرٌ كبيرٌ في تغذية كل أنواع المقاومة العربية والإسلامية، ما فتح الباب واسعاً للتطرف.
هذا الإجراء أدى لتطرف في السياسة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة لكي تمزق المنطقة وتنعم إسرائيل بالبقاء في هذه الفسيفساء المحيطة بها.
عندما وقعت الحرب العراقية الإيرانية قال نيكسون الرئيس الأمريكي الأسبق هذه حرب نتمناها ونتمنى ألا ينتصر فيها أحد طرفيها.
وبعد حرب 1973م قال كيسنجر ينبغي افتراق كلمة العرب حتى لا تواجه إسرائيل موقفاً موحداً.
وقال آفي دختر Avi Dichter في 2008م إن مصير البلدان العربية أن تتمزق.
هذه الرؤى تهدد الدول الوطنية في عالمنا، وهي كذلك باعثة لحركات المقاومة التي تفتح الباب واسعاً للتطرف.
في محاضرة ألقيتها في الرياض في عام 2002م تناولت شروط السلام في منطقتنا والعلاقات البناءة الواجبة بيننا وبين الغرب لا سيما الولايات المتحدة. كان الأستاذ محمد قطب رحمه الله بين الحاضرين، فقام وقال لي يا فلان أرجوك أن تعدل عن هذا الحديث عن سلام التعايش. الصليبية والصهيونية تريدان تدمير الإسلام. نحن نريدهما أن يبالغا في الحماقة والعدوان لإيقاظ المارد الإسلامي لينهض ويحمل راية الجهاد ويقوض إسرائيل وأمريكا.
لقد صار من مقاييس شرعية الدولة الوطنية مدى تصديها للعدوان الإسرائيلي والهيمنة الدولية.
الخلافة الجامعة والإمامة الجامعة تطلعات تجاوزها الزمن، وهي ليست شرطاً في تحقيق مبادئ الإسلام في الولاية، ولكن وجود رأي بأنهما أساس لشرعية الحكم يطعن في شرعية الدولة الوطنية، بل يجعل الولاء الوطني هشاً ومعارضاً لوحدة الأمة.
الدولة الوطنية اليوم هي أساس نظم الحكم والإدارة في العالم، وهي الوحدة المعتمدة في النظام الدولي الحديث. ينبغي أن نقوم بتأصيل نظام الدولة الوطنية بما يؤكد أنه مقبول ضمن مقاصد الشريعة الإسلامية.
فما قاله أبو بكر (رضي الله عنه) لدى مبايعته يؤكد أن ولاية الأمر أمر بشري ويبين مقاصد الشريعة في ولاية الأمر وهي: المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون. والنظام الدولي القائم على التعاهد (لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ ).
هنالك مرافعة مطلوبة لبيان شرعية نظام الدولة الوطنية ونظام التعاهد الدولي. نعم النظام الحالي معيب بمقياس العدالة وإصلاحه واجب.
ووحدة المسلمين نفسها ينبغي في الظروف الحديثة أن تقوم على التعاهد بين دول وطنية.
ما لم تكن الحجة قوية لشرعية الدولة الوطنية والنظام الدولي الحديث فإن تجريد الدولة الوطنية من الشرعية يخلق فراغاً ويفسح المجال واسعاً لحركات التطرف المختلفة.
الوطنية أي الولاء للوطن لا يمكن أن يكتسب الشرعية والجدوى ويصير حصناً منيعاً في وجه حركات التطرف إلا إذا استوفى الشروط الثمانية الآتي بيانها:
أولاً: ينبغي نزع القدسية عن نظام الخلافة التقليدي كأنه ملزم لكل زمان ومكان، فهي مرحلة تاريخية لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، وقد مورست في عهودها الأموية، والعباسية، والعثمانية بصورة عارية من مقاصد الإسلام السياسية كما حددها كتاب الله في حقوق الإنسان، وكما حددتها خطبة الخليفة الأول لدى بيعته بما فيها المشاركة، والمساءلة، والشفافية، وسيادة حكم القانون. بل مورست قهراً، كما قال ابن حجر العسقلاني: أجمع الفقهاء على طاعة المتغلب والقتال معه.
ينبغي اعتبار الخلافة، وكذلك تطلعات الإمامة لدى الشيعة، مرحلة تاريخية مضت، واستصحاب نظم أخرى تحقق مقاصد الشريعة في ولاية الأمر.
ثانياً: إن للولاء حلقات تبدأ بالأسرة ثم تتسع حتى تصير للوطن. الوطنية بمعنى الولاء للوطن ينبغي أن يقوم على أساس تأصيلي واستصحاب تحديثي.
ثالثاً: الولاء للوطنية ينبغي ألا يكون عازلاً للولاء القومي، فالولاء القومي يمثل دائرة انتماء أوسع لها أساسها في الواقع ومشروعيتها: الولاء للأسرة، وللوطن، وللقومية، حلقات انتماء تحيط بها حلقة أوسع هي الولاء للأمة الإسلامية، ولاءات لها أساسها في الواقع ومشروعيتها في مقاصد الشريعة.
رابعاً: الولاء الوطني تدعم شرعيته جدواه سياسياً: في المشاركة في المصير الوطني، واقتصادياَ: في الكفاية، والعدل. إن التخلف عن المشاركة السياسية والكفاية والعدل الاقتصادية يجوف الوطنية.
خامساً: الأمة كلها أمام تحد كبير بدأ بالاحتلال الأجنبي، ثم النكبة عام 1948م، واليوم نشهد النكبة الثانية وحيثياتها الاتجاه لاعتبار القدس موحدة عاصمة لإسرائيل، واعتبار إسرائيل وطناً مستحقاً ليهودها ويهود العالم. وإلغاء القرارات الدولية لا سيما 194 و513 المتعلقة بحق العودة. هذه النكبة الثانية تتطلب أن تقوم الدولة الوطنية بواجبها في التصدي لها وطنياً، وقومياً، وإسلامياً، ودولياً.
هنالك أسباب أدت لمخاوف وكراهيات في البلاد الغربية: الإسلاموفوبيا، أي الخواف الإسلامي.
التشخيص الموضوعي يوضح أن لهذه الكراهيات والمخاوف أسباباً، لسياسات الهيمنة الدولية دور مهم في تفريخها.
سياسيون انتهازيون في أمريكا، وبريطانيا، وفرنسا، والنمسا، وغيرها من البلدان استغلوا المخاوف والكراهيات للصعود السياسي.
هذه الاتجاهات الغبية سوف تكون من أهم عوامل تغذية حركات التطرف في عالمنا.
سادساً: أية صورة من صور تبعية الدولة الوطنية لهيمنة دولية ظالمة تقوض شرعيتها، وتفسح المجال لحركات التطرف على أساس تفريطها في الكرامة الوطنية.
سابعاً: ينبغي أن يتجنب الولاء الوطني العصبية لكي يتكامل مع الولاء القومي، والولاءات القومية نفسها ينبغي أن تتجنب العصبية لكي تحقق تعايشاً بين القوميات، ولكي يقوم تعاهد إسلامي عام بين مكونات الأمة الوطنية، والقومية.
ومن باب أولى ينبغي أن يقوم ميثاق بين طوائف الأمة الإسلامية، ميثاق يجعل تعاهد الأمة ممكناً. في مقام آخر اقترحنا نصوص هذا الميثاق.
ثامناً: مكوناتنا لا تعيش في عزلة عن العالم. هذا يتطلب إبرام ميثاق بين الأديان والحضارات في ظل تعاهد دولي من أجل السلام، والأمن، والتبادل التجاري، وانتقال التكنولوجيا الحديثة.
ختاماً: الوطنية التي تستوفى هذه الشروط تحقق استقراراً بناءً، ولكن التفريط في هذه الشروط يفسح المجال لحركات تطرف ولمغامرات ثورية لا تؤمن عواقبها.

شاهد أيضاً

رسالة الاثنين الـ 20 للإمام الصادق المهدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »