الرئيسية / غير مصنف / رسالة الاثنين (التاسعة عشر) من الإمام الصادق المهدي

رسالة الاثنين (التاسعة عشر) من الإمام الصادق المهدي

بسم الله الرحمن الرحيم

رسالة الاثنين (التاسعة عشر)

الإمام الصادق المهدي

3 ديسمبر 2018م – لندن

أخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي

السلام عليكم، وبعد-

أحدثكم هذا الأسبوع في خمسة مواضيع:

الموضوع الأول: المسار الوطني السوداني: الدرس المستفاد من الانتفاضة الأولى في أكتوبر 1964م. والثانية في إبريل 1985م هو أن للانتفاضة أربعة شروط: أن يبلغ إخفاق النظام كتلة حرجة من الإخفاق، أن يعزز ذلك رفض شعبي واسع، أن يرتكب النظام حماقة مستفزة توحد الكافة ضده وأن توجد مؤسسة عسكرية قومية تنحاز للشعب لتحقيق انتقال سلمي للسلطة بما يستجيب للمطالب الشعبية الديمقراطية. هذا الدرس تؤيده كذلك تجربتا الربيع العربي كما في تونس ومصر.

في السودان الآن بلغ إخفاق النظام الحاكم درجة كبيرة، فالتوجه الحضاري صار مثلاً لتشويه الشعار الإسلامي. والإنقاذ الاقتصادي حقق عكس مقاصده، والتبضع بين المحاور في السياسة الخارجية هبط باسم السودان. وفي مناورات النظام لاحتواء المعارضة سلخ النظام جلده أربع مرات دون إصلاح حاسم. في وجه هذا التوتر زارني رئيس الجمهورية في أغسطس 2013م وتساءل عما نريد؟ قلت له: مطلبنا: أن الحكم، والسلام، والدستور؛ قضايا قومية تبحث وتبرم عبر اتفاقيات قومية لا تعزل أحداً ولا يهمين عليها أحد. قال لي: أوافق. أعلنا ذلك على الملأ. في يناير 2014م أعلن مبادرة الوثبة فرحبنا بها ثم تخلينا عنها لسببين، الأول: رفض رئاسة المؤتمر الوطني لآلية الحوار. والثاني: غياب الحريات ما عرضني للسجن بموجب بلاغ أمني كيدي في مايو 2014م.

اكتمل حوار الوثبة هذا في عامين، وأصدر توصياته في 2016م. التوصيات التي أجهضها المؤتمر الوطني بموجب تشريعات أجازتها أغلبيته في البرلمان.

بالتوازي مع هذا الحوار الناقص جرت الإجراءات الآتية:

· في أغسطس 2014م اتفق حزب الأمة القومي مع الجبهة الثورية على إعلان باريس وفحواه: العمل من أجل نظام جديد لسودان موحد عادل بوسائل سلمية.

· في ديسمبر 2014م أعلن تكوين نداء السودان الذي حقق مشاركة سياسية ومدنية واسعة في أهداف قومية تحقق بوسائل سلمية.

· وفي عام 2016م قدمت الآلية الأفريقية الرفيعة خريطة الطريق التي حظيت بدعم أفريقي ودولي ووقعتها الحكومة، وممثلون لنداء السودان.

· وبعد ركود دعتنا الآن الآلية الأفريقية الرفيعة لاجتماع في أديس أبابا في التاسع من ديسمبر الجاري.

· سبق هذه الدعوة لقاءات بين الأطراف المسلحة في الحكومة والجبهة الثورية في الدوحة، وفي جوبا، وفي برلين، وهي لقاءات يمكن أن تحقق اتفاقات فنية حول وقف العدائيات. وانسياب المعونات الإنسانية، وتبادل الأسرى، ومع أننا في نداء السودان لسنا طرفاً فيها لكننا ندعمها.

· وقام رئيس جنوب السودان بمجهودات لتوحيد جناحي الحركة الشعبية شمال، نؤيد هذا المجهود ليشترك الجميع في الحوار الوطني الجامع.

· أقبلنا على تلبية الدعوة للقاء أديس أبابا باعتباره الاجتماع التمهيدي المنصوص عليه في خريطة الطريق. ومهامه في نظرنا هي: الاتفاق على إجراءات المناخ المناسب للحوار، والحوكمة القومية، وأسس اتفاقية السلام العادل الشامل، والاتفاق على عقد مؤتمر دستوري.

في هذا الاجتماع سوف يقدم النظام تصوراته للدستور وللانتخابات، وهي مسائل موقفنا منها واضح: أن يكون الدستور عبر المؤتمر القومي، وأن تكون الانتخابات بموجب استحقاقات محددة.

الحوار بين أية أطراف يحكمه توازن القوى. ويحلو للغافلين تعظيم شأن النظام وتهوين شأننا، ونقول: نعم النظام يعتمد على قوى مسلحة، وعلى تنظيم مدني إسلاموي مهما فقد مشروعه الحضاري فإن له وجوداً داخل مؤسسات الدولة، وعلى تحالف خارجي.

في المقابل معنا سبعة عوامل هي:

– سخط شعبي واسع ومتطلع للتغيير.

– وضع اقتصاديٌ متردٍ فيه الخبز يباع بالرقم الوطني، والدولار ستة أسعار، وهو غير قابل للإصلاح إلا عبر إبرام سلام واتفاق سياسي.

– الملاحقة الجنائية الدولية للنظام.

– مهما جرى من حوار مع أمريكا فلا سبيل للتطبيع معها كما صرحت إلا إذا التزام النظام بحقوق الإنسان، وحرية الأديان، ووقف العدائيات مع الثوار.

– كذلك أعلن الاتحاد الأوربي ضرورة إجراء إصلاحات سياسية واقتصادية كأساس للتعاون.

– يعزز موقفنا أننا نمثل قوى سياسية ومدنية مستعدة لإبرام اتفاق سلام عادل شامل وتحول ديمقراطي كامل بوسائل سلمية. وغير مستعدة للتنازل عن مطالب الشعب المشروعة فلا سبيل لاتفاقيات المساومة والمحاصصة المعهودة.

بعض الغافلين عندما نتحدث عن المساءلة، ونشرح بنود نظام روما، يعتبروننا متنازلين عن المساءلة، ولكن نظام روما يسمح بمعادلة بين العدالة العقابية والعدالة الترميمية، وهي لا تمر إلا بموافقة الضحايا.
والحديث عن مفوضية للمساءلة مهم لأن ثمة جنايات لا تدخل في القرار الدولي 1593 بل تمثل فترات في السودان منذ الاستقلال تستوجب بيان الحقيقة والإنصاف.

الموضوع الثاني: الحريق في سوق أم درمان بسبب ماس كهربائي وربما بفعل فاعل. فاحترقت عشرات الدكاكين، وبضائعٌ، وأموالٌ نقدية تقدر بألف مليار جنيه سوداني. نأسف لما حدث أسفاً شديداً فهذه أرزاق مواطنين وأسر. إزاء هذه الكارثة نطالب بالآتي:

– تحقيق عادل تقوم به الجهات المسؤولة بمشاركة شعبية لمعرفة الأسباب وإحصاء حجم الخسائر.

– قيام مجهود حكومي وشعبي لتعويض المنكوبين ومساعدتهم لإعادة أعمالهم مع إعفائهم عن الضرائب والعوائد والزكوات لمدة خمسة أعوام على الأقل.

– أن تشمل خطة التعمير توفير طفاية حريق لكل الدكاكين.

– دعم الدفاع المدني، وتسريع خدمته، فقد وصل متأخراً.

– ضبط التوصيلات الكهربائية وخلوها من العشوائية.

– عدم الثقة في النظام المصرفي الذي صار لا يصرف الأموال لأصحابها نتيجة لسياسات خاطئة هو الذي أجبر الناس على الاحتفاظ بالأموال في حوزتهم حتى لا تشل حركتهم التجارية.

– يجب تعميم التأمين بالقانون، وهو من ضرورات الاقتصاد الحديث.

– يجب اتخاذ إجراءات وقائية في كل الأسواق الأخرى للتأمين ضد الحرائق. مثلاً سعد قشرة، سوق ليبيا، السوق الشعبي، إلخ.

الموضوع الثالث: توريث المرأة: أجازت تونس المساواة في التوريث بين الرجال والنساء. تجديدات تونس متأثرة بالمدرسة البورقيبية، وهي تتم استجابة للعصر دون مرعاة لمطالب الأصل. التجديد المجدي، وهو ممكن، ينطلق من استجابة الأصل للعصر عن طريق مراعاة مستجدات الواقع والمقاصدية التي أبرز دورها الشيخ الطاهر بن عاشور صاحب تفسير “التنوير والتحرير”. المواريث في الإسلام بين الرجال والنساء ليست مرتبطة بالنوع بل بالتكليف الاجتماعي لذلك نجد أن (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ)[*]، واحياناً ترث الانثى قدره، وأحياناً ترث أكثر منه، وأحياناً ترث ولا يرث. هذه الأنصبة تدور لا حول النوع ولكن حول العبء الاجتماعي. لقد تغيرت الأعباء الاجتماعية بما يسمح من داخل مقاصد الشرع باجتهاد جديد للمساواة ما يجعل لها مشروعية شرعية وملاءمة عصرية.

الموضوع الرابع: تجري في مصر الآن مجادلة طرفاها شيخ الأزهر ووزير الأوقاف. المسألة في نظري ليست خلافاً حول حجية السنة، فلا أحد يرفض حجية السنة العملية التي بموجبها تمارس الشعائر. ولا أحد ينكر أن للسنة القولية ضوابط أهمها: التواتر، موافقة القرآن واعتبار الواقع. الخلاف في حقيقته حول أمرين: الأول: مدى استقلالية الأزهر، والثاني ماهية الموقف من حركة الأخوان المسلمين. ولشيوخ الأزهر اجتهادات فكرية قد تتجاوز مواقف السلطة كاجتهادات الشيخ محمد عبده في استصحاب العصر الحديث، والشيخ محمود شلتوت في التقارب بين المذاهب إلى درجة إدراج الفقه الجعفري في الأزهر.

هذه المجالات لا يحتويها إلا إبرام اتفاق بين المسلمين للإصلاح والتجديد يوفق بين التأصيل والتجديد، ويحدد الموقف من الحركات الإسلامية الأهلية.

الموضوع الخامس: خاطبني الأخ الأستاذ محمد وداعة محاوراً حول الأزمة في اليمن، مقترحاً ضم العدوان الإيراني لأسباب الأزمة. أحييه في البداية وأشيد بمجهوداته المعضدة للأجندة الوطنية الكاشفة لأوجه الخلل في الأداء الرسمي، وأقول: عندما احتل الحوثيون صنعاء خطأناهم، وعندما تحدثنا حتى في طهران عن ولاية الفقيه قلنا بضبطها في الشعائر أما فيما عداها فالولاية للأمة. هنالك توجهات إصلاحية داخل أهل السنة وداخل الشيعة الاثني عشرية. ينبغي التقاء الإصلاحيين لإبرام ميثاق الإيمانين، وذلك تجنباً للفتنة التي يستغلها أعداء الأمة. ولا مانع من نقد تصرفات إيران موضوعياً، ولكن شيطنة إيران كمدخل للتطبيع مع إسرائيل على حساب القضية الفلسطينية خيانة عظمى.

الإدراة الأمريكية الحالية مخالفة للمصالح القومية الأمريكية، متحالفة مع اليمين الإسرائيلي لفرض صفقة استسلامية ترفضها شعوبنا وسوف تقاومها.

الحرب في اليمن صارت تدميراً بلا طائل، ولا سبيل لحسم الخلافات بالوسائل العسكرية، والأمر يتطلب عمل الجميع على إبرام اتفاق سياسي بين الأطراف اليمنية قاطبة.

الأمم العربية، والإيرانية، والتركية تجمع بينهم شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، وشعوبهم متداخلة، ولا سبيل لسلام في المنطقة إلا إبرام معاهدة تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والحرص على التعاون الأمني والتنموي، وعزل إسرائيل كجسم غريب مغروس لا تعامل معه إلا بموجب رد الحقوق لأهلها. أي تفريط في هذا التوجه إنما يجعل المنطقة العربية في يد الهيمنة الدولية.

هذا والله ولى التوفيق.

[*] سورة النساء الأية (11)

شاهد أيضاً

رسالة الاثنين الـ 20 للإمام الصادق المهدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Translate »